الجغرافيا السياسية - أكاديمية التدريس

         بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أشرف الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد..

الجغرافية السياسية - أكاديمية التدريس


بين اليوم والأمس... هنا الجغرافيا السياسية

مقدمة

تشهد الخريطة السياسية العالمية تغيرات متطورة وسريعة للغاية ما بين دول وإمبراطوريات كانت موجودة ثم اختفت وما بين قوى عالمية توزعت قوتها السياسية وأدت دورها السياسي ثم انهارت وحلت محلها قوى أخرى ولعل اليوم نجد العلاقات الدولية تؤثر بشدة في الخريطة السياسية العالمية ومن أشهر التأثيرات على الخريطة السياسية الموجودة على الساحة: الأزمة الروسية الأوكرانية والتي تجسد حالة من الحرب الباردة بين روسيا التي تريد إعادة أمجاد الاتحاد السوفيتى وبين الغرب والناتو اللذان يعملان على تدمير القوى الروسية ومنع تحقيق حلم إعادة مجد السوفييت قديمًا وما بين الأمس واليوم.. هنا الجغرافيا السياسية.

ولعل البعض يرى أن الجغرافيا السياسية وعلم السياسة هما وجهان لعملة واحدة، وهذا خطأ، فهناك فارق كبير بين الجغرافيا السياسية وعلم السياسة، فعلم السياسة يركز على نظام حكم الدولة وحكمه لعناصر الدولة الرئيسيين وهما: الأرض والشعب.

بينما الجغرافيا السياسية تركز على الجانب المكاني للدول مع دراسة المقومات الطبيعية والبشرية للدولة وتأثير ذلك في قوة الدولة.

أولًا: تعريف الجغرافيا السياسية

تختلف تعريفات الجغرافيا السياسية حسب منظور كل عالم ومفكر، فالبعض ينظر إليها من نظرة اقتصادية بأنها تهتم بالنشاط الإقتصادي وأثره على قوة الدولة بناءً على الموارد الطبيعية التي تمتلكها الدولة، واستغلال السكان لتلك الموارد، كما ينظر البعض إليها من منظور عسكري من خلال دراسة نقاط القوة والضعف لدى الدولة وعلاقاتها بالدول الأخرى، وهناك التعريف الشامل للجغرافيا السياسية بأنها العلم الذي يهتم بدراسة الدولة ودراسة مقوماتها الطبيعية والبشرية وتأثير ذلك في قوتها السياسية ودراسة نقاط القوة والضعف لديها مع توضيح علاقاتها الدولية.

فردريك راتزل والجغرافيا السياسية

رغم تطور الجغرافيا السياسية عبر التاريخ من خلال كتابات اليونانيين القدماء والعرب، إلا أن الميلاد الحقيقي جاء على يد الجغرافي الألماني فريدريك راتزل عام 1897 في كتابة "الجغرافيا السياسية" واعتبر أن الجغرافيا السياسية فرع أصيل وجزء لا يتجزأ من الجغرافيا وميدان البحث الجغرافي ونشر مقالًا بعنوان "القوانين السبعة لنمو الدولة" وهي:

1- أن رقعة الدولة تنمو بنمو الحضارة الخاصة بالدولة فكلما انتشر السكان وحملوا طابع الحضارة فإن الأرض الجديدة تزيد مساحة الدولة.

2- أن نمو الدولة عملية لاحقة لمختلف المظاهر الخاصة بنمو السكان الذي يتم قبل بداية نمو وتوسع الدولة.

3- يستمر نمو الدولة حتى تصل لمرحلة تضم فيها وحدات صغرى.

4- أن حدود أي دولة هي العضو الحي الذي يحدد مدى نمو الدولة.

5 - تسعى الدولة في نموها إلى ضم الأقاليم ذات أهمية سياسية بمعنى أنها تمتلك موارد طبيعية أو مصادر للغذاء وغيره.

6- أن الدوافع الأولية للتوسع تأتي للدولة البدائية النامية من الخارج بمعنى أن أصحاب الحضارة يحملون أفكارها لتلك الدولة.

7- إن الميل العام للتوسع والضم ينتقل من دولة لأخرى ثم يتزايد ويشتد.

وباختصار فإن راتزل قد أوضح أن الدولة بمثابة كائن حي يميل إلى الحركة والتطور والنمو، وهذه مفاهيم قد استغلتها ألمانيا بصورة خاطئة في الحرب العالمية الأولى والثانية عندما توسعت على حساب الدول المجاورة وهو ما يدفعنا لمفهوم أخر.. الجيوبولتيك

الجيوبولتيك

يرى البعض أن الجيوبولتيك هي محاولة لتسميم أفكار الجغرافيا السياسية التي تعتبر الدولة كائن حي يميل إلى الحركة والتطور لتصبح الدولة قوية، بل البعض قد اعتبر أن الجيوبولتيك هي عملية شرعنة لمحاولات الضم والسيطرة عبر الزمان، كما أنها تعتبر إضفاء شرعية على سياسات هتلر التوسعية والاتحاد السوفيتي، لكن الهدف من الجيوبولتيك هو إثبات قوة الدولة من خلال الثقافة والاقتصاد، وهو ما أكد عليه رودلف كيلين بحيث أن الغرض الأساسي هو دخول الجغرافيا في خدمة الدولة، وذهب البعض بالقول إلى أن الجيوبولتيك هو العلم الذى يعكس مدى التقدم التكنولوجي والتنمية الاقتصادية للدولة وتفاعل الجغرافيا مع الواقع الدولي، وباختصار فإن الجيوبولتيك هي حالة تعبير جغرافي عن المواقف السياسية للدولة ودراسة المحيط الخارجي للدولة وكيفية تأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية.

أمثلة على الفهم الخاطئ للجغرافيا السياسية والجيوبولتيك

هناك العديد من الأمثلة الدالة على الفهم الخاطئ وحالة الخلط بين الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك نذكر منها:

1- اعتقاد ألمانيا بضرورة التوسع على حساب الدول المجاورة واحتلالها خلال الحرب العالمية الأولى والسيطرة عليها لحكم أوروبا.

2- توسع ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية على حساب دول أوروبا طبقًا للنظرية النازية التي تتطلع للسيطرة على العالم.

3- توسع الاتحاد السوفيتي على الأراضي المجاورة له؛ لتأمين حدوده وزيادة نفوذه وقوته.

4- غزو اليابانيين لجنوب شرق أسيا خلال فترة الحرب العالمية الثانية للإستيلاء على موارد تلك المناطق.

5- غزو إسرائيل للدول العربية عام 1967 من أجل تأمين إقامة كيان اليهود المزعوم.

ومن أجل منع حدوث الخلط بينهما مرة أخرى، ومنع ما يترتب عليه من توسع وغزو على حساب دول ضعيفة، فقد أجمع الباحثون على أن الجغرافيا السياسية تدرس الدولة ونظام حكمها والمقومات الطبيعية والبشرية وعلاقتها بالدول الأخرى، أي تدرس الدولة في حالة الثبات، بينما الجيوبولتيك هو علم يدرس المحيط الخارجي للدولة وما تحتاجه الدولة ويمكن تنفيذه على حساب الدول الأخرى ورسم سياسة لما تنبغي أن تكون عليه الدولة واعتبار أن الحدود صفة متغيرة.

عناصر تركيب الدولة

تحتاج الدولة إلى عدة عناصر لكي تصبح دولة بالمعنى الفعلي لها، وتختلف هذه العناصر بنسب متغيرة من دولة لأخرى إلا أنها ثابتة كمكونات أساسية لتشكيل الدولة وهي:

1- الـموقع وعلاقات المكان والتي يميز كل دولة بظروف وعلاقات مختلفة ويلعب دور مؤثر في قوة الدولة أو ضعفها.

2- المظاهر الطبيعية من تضاريس ومناخ والتي تميز كل دولة سواء دول جبلية أو دول باردة وغيرها.

3- مساحة من الأرض تشغلها الدولة تحدها حدود معينة.

4- نظام حكم قوي وكفء لضمان السيطرة على مساحة الدولة بمسطحاتها الأرضية والمائية والجوية.

5- سكان مقيمون بشكل دائم لهم صفات معينة.

6- قوة اقتصادية من خلال استغلال الموارد المتاحة وإقامة علاقات اقتصادية للمزيد من القوة.

7- طرق نقل ووسائل مواصلات لسهولة الإنتقال بين أجزاء الدولة.

هذه العناصر رئيسية ولا بد منها لتكون دولة مثالية بالأنماط السياسية والجغرافية المطلوبة، وتختلف الدول في كل ما سبق، فنجد أن هناك دول كبيرة المساحة مثل روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية ودول صغيرة مثل هولندا والبحرين وهناك دول كثيفة السكان مثل الصين والهند ودول قليلة السكان مثل الخليج ودول تتمتع بالنفوذ الإقتصادي نظرًا لوجود البترول وهو محل صراع في العالم حاليًا مثل دول الخليج أو دول تتمتع بالنفوذ الاقتصادي من خلال علاقاتها التجارية مثل الصين والتي تعتبر من الدول ذات استعداد للدفاع عن تجارتها وعلاقاتها الاقتصادية مهما تطلب الأمر.

العولـمة

تعتبر العولـمة أحدث ما تدرسه الجغرافيا السياسية؛ نظرًا لتأثيرها على مسرح السياسة العالمية وتُعرف العولمة بأنها عملية تقوم بها الدول الأقوى اقتصاديًا واجتماعيًا للسيطرة على مقدرات وثقافة وموارد الدول الأقوى بحيث تصبح السيطرة لها بشكل مطلقا، وتعمل على هذا من خلال دعوات توحيد الأفكار والثقافات واللغات في بوتقة واحدة تمكن لحكومة عالمية واحدة من حكم العالم لتنفيذ ما يسمونه "العالم قرية واحدة" لكن تظهر أثار العولمة من خلال التدخلات الأجنبية التي تظهر الفجوة الشديدة بين الدول الغنية والفقيرة كما ينتج عنها انتشار الإرهاب والتطرف، وترتبط العولمة بالنظام العالمي الجديد التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرضه على العالم أجمع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية بسبب الأساليب البدائية والمتخلفة في حكم الاقتصاد والسياسة بينما خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب الباردة منتصرة وانتصرت معها فكرة الرأسمالية وتحكم رجال الأعمال في الاقتصاد والسياسة.

متى ستنعم كل دولة بالقوة؟

إن الدول تمتلك المقومات التي تجعلها محل قوة وهي: الأرض والسكان والموارد والحدود، ولعل هذه المقومات يجب أن تُستغل في إقامة دولة مثالية لها وزنها السياسي وسط الدول وتحظى باحترام الدول الكبرى؛ حتى يكون لها دور فعال ومؤثر في السياسة العالمية، وستنعم الدول بالمزيد من القوة عندما تتحرر من القيود والوصايا من قبل الدول الإستعمارية والدول التي تتبع سياسة التحكم في الدول الضعيفة، بل أن تنوع العلاقات مع الدول الكبرى يكسر هذه القيود ويقوي من شوكة الدولة شريطة ألا تجعل نفسها محل طمع للدول الكبرى، بل تعمل على استقلالها واستغلال قوتها في تحقيق مصالح سياسية لها، ومن المقومات الأساسية التي يجب أن تظهر لدى الدولة لكي تكون قوية بالدرجة التي تجعلها محل احترام وتقدير = هي أن تكون قادرة على تصنيع غذائها ودوائها وسلاحها بأيدي أبنائها، فمتى تحقق ذلك فستصبح دولة قوية.


المصادر

1- د.محمد حجازى محمد، "الجغرافيا السياسية"، 1996، كلية الأداب، جامعة القاهرة.

2- د.عدنان صافى، "الجغرافيا السياسية"، 1999، مركز الكتاب الأكاديمي، جامعة الإسكندرية.

3- د.جاسم سلطان، "جيوبوليتيك: عندما تتحدث الجغرافيا"، 2013، دار تمكين للأبحاث والنشر.

4- د.محمد عبد السلام، "الجيوبولتيك: علم هندسة السياسة الخارجية للدول"، 2019.

5- كلاوس موللر، "العولمة"، 2010، المركز القومي للترجمة.


الكاتب: إسلام محمد 

تصميم: منى سيد


لمعرفة المزيد عن أكاديمية التدريس شاهد هذا الفيديو ..