علامات الترقيم - أكاديمية التدريس

   بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أشرف الخلق وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ،،



علامات الترقيم - أكاديمية التدريس

فقد أمرنا نبينا الكريم ﷺ بإتقانِ العمل، وتقويمه، بل جعله عبادة خالصة لله، وجهاد في سبيله، وذلك بقوله ﷺ: "إِنّ اللَّهَ يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً، أَنْ يُتْقِنَهُ".

ففي هذا الحديث أمرٌ صريح بوجوب مراقبة الله ﷻ في أداء عمل المرء، بل المُجاهدة في تسديده وإتقانه؛ حتى يحظى بمحبة الله -عز وجل- له، فيا بُشرى مَن فاز بها.

وعلى هذا، فإنَّ الكتابةَ عملٌ عظيم، كرَّمه الله -سبحانه- ورفع درجته بين الأعمال الدنيوية كلها، حيث قدمها في الخلق، فكان أول ما خلق الله -تبارك وتعالى- القلم، ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن.

وعلى هذا، فإن الكاتب أعزه الله -تبارك وتعالى- في عمله بهذا المخلوق الكريم، فكان أَوْلى به أن يتحرى غاية الإتقان والدقة فيما تسطر أنامله من سائر علوم الدين والدنيا؛ ليُحفظَ له المرتبة الربانية العالية التي رُسمت له في الدنيا، والآخرة، وذلك أن تجعلَ ما تكتبه للناس، أو لنفسِك في أجوَد صورة، بحيث تؤدي المقاصد بدقةٍ وبيان.

فبعد إدراك حُسن الخط، الذي هو من أهم وسائل الإبانة المتقَنة، يجدر بك أن تضعَ بين الكلمات ما يرمم معالم الفصل والوصل، والنبرات الصوتية؛ لتوضيح دقائق التعبير الكلامي، والعلاقات القوية بين الجملة الواحدة، أو النص.

ولهذا، وضع علماءُ العربية الكرام أعلامًا ورموزًا مُحددة مُفصَّلة، ومخصَّصة؛ لتردَّ إلى الكلامِ روحه التي افتقدها بالانتقال إلى الأسطر، بدلًا من أدائِه باللسان، وقد استخدم علماؤنا سلفًا تلك الرموز في كثير من المصنفات التراثية، فقدموا صورة عملية رائعة، ومن ثَمَّ وصفوا بعض ذلك في توجيهاتهم بالفعل والتفسير، فصار لنا زاد وافر نستطيع الاعتماد عليه؛ لصيانة كتابتنا من التعمية، والخلل، والفساد.

ولقد تلمسنا من خلال البحث، والتنظير، والتطبيق، ما خلفه أجدادُنا العرب والمسلمون، من جهود، وبراعة في الترقيم التعبيريّ، حيث حُددت أساليبه، وميدانه، والمصطلحات، والرموز، والمفاهيم الملابسة لها، والتي حُققت في كثير من المصادر التراثية كتابة، وتفسيرًا، وتوجيهًا، وقد جُمعَ في تلك الأسطر ما ألهمنا الله لبيان بعض منها، وأُضيفت إليه بعض اللمسات الفرعيَّة؛ ليكونَ قريبًا مما ألِفه الناس في الشكل، والغاية، والاستعمال.

نسألُ اللهَ سداد التوجه، وإخلاص النية، وحُسن الختام.

علاماتُ الترقيم، ومواضع استعمالها.

أولًا: تعريف علامات الترقيم:

هي علامات، أو رموز معينة اصطلحَ عليها علماء اللغة، تُوضع في وسط، أو نهاية الجمل لأغراضٍ معينة.

ثانيًا: أهمية وأغراض علامات الترقيم:

تُوضَع علامات الترقيم بين الجُمل لعدةِ أهداف، منها: تنظيمُ الكلام؛ لتسهيل القراءة والفهم من جانب الكاتب للقارئ، كما أنها تُعين على الفصل والوصل.

فكما يستخدم المُتكلم بعض الحركات اليدوية، أو يلجأ إلى التغيير في تعبيرات وجهه، أو التنويع في نبراتِ صوته؛ حتى يحسن التعبير عما يجول بخاطره ويثبته، كذلك يحتاج الكاتب إلى استخدام علامات الترقيم؛ لتكونَ بمثابة هذه الحركات اليدوية، وتلك النبرات الصوتية، والانفعالات النفسية التي يستخدمها المُتحدث أثناء كلامه في الخطاب الشفويّ؛ حتى يحقق غاياته من الفهم والإيضاح.

وعلى هذا، فإنَّ علامات الترقيم كإشارة المرور في تنظيمها لعملية السير، التي لولاها لضلَّ المرء مِنَّا الطريق، وفقدَ غايته. (1)

ثالثًا: أقسامُ العلامات:

1- علامات وقف، منها: الفاصلة، والنقطة.

فهي تُمكِّن القارئ من الوقوفِ عندها وقفًا تامًا، أو متوسطًا، والتزوُّد بالراحة، أو بالنَّفَس الضروريّ لمواصلة عملية القراءة.

2- علامات النبرات الصوتية، منها: علامتي التعجب والاستفهام.

فهي علامات وقف أيضًا، لكنها مع الوقف تتمتع بنبرات صوتية خاصة، وانفعالات نفسيَّة مُعينة أثناء القراءة.

3- علامات الحصر، منها علامة التنصيص، والأقواس بأنواعها.

تلك علامات تساعد في تنظيم الكلام المكتوب؛ لفهمه.

رابعًا: أنواع العلامات.

1- الفاصلة: تُرسم هكذا (،).

- مكانها:

توضع وسط الكلام، بين الجُمل، فهي لا توضع في النهاية أبدًا، وتستخدم ملاصقة للكلمة التي تسبقها مباشرة دون فراغات.

قُل: يا ُمحمد، أقبل.

لا تقل: يا محمد ، أقبل.

- مواضع استعمالها:

أ- بعد لفظ المُنادى (الشخص): يا مُحمد، اجتهد.

ب- بين الكلمات المفردة المعطوف بعضها على بعض: جاء محمد، وعلي، ومحمود.

ج ـ بين الجملتين المرتبطتين معنى وإعرابًا: هو يؤدي واجبه، ويراقب ربه.

دـ بين أقسام (أنواع) الشيء.

مثال لأقسام الشيء: فصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء.

هـ ـ بين الشرط وجوابه، والقسم وجوابه.

مثال للشَّرط وجوابه: إن ذاكرت جميع ما كُلفتَ به، نجحتَ.

مثال للقسم وجوابه: والله الذي خلق السماوات والأرض، لأجتهدن.

وـ بعد كلمة أو عبارة تُمهِّد لجملة رئيسية، أو بعد كلمات التعجب.

مثال: طبعًا، سأفعل ما أمرت به.

عجبًا، كيف تأخرت!

زـ بعد حروف الجواب (نعم- لا- بلى- كلا) في أول الجملة:

نحو:

-نعم، حفظتُ درسي.

ردًّا على سؤال: هل حفظت درسك؟

-لا، لم أذاكر الدرس.

ردًّا على سؤال: هل ذاكرت الدرس؟

-بلى، فعلت.

-كلا، لم أفعل.

ردًّا على سؤال: ألم تفعل ما أمرت ما أمرت به؟، في حالتي النفي والإثبات.

2- الفاصلة المنقوطة: تُرسم هكذا (؛).

- مكانها:

توضع بين الجُمل، فتشير بأن يقف القارئ عندها وقفة أطول قليلًا من سكتة الفصلة.

- مواضع استعمالها:

توضع الفاصلة المنقوطة بين جملتين إحداهما سببًا في الأخرى، أو العكس بالعكس.

أي: سواء أكانت الأولى هي السبب والثانية المُسبب –النتيجة-، أو كانت الثانية هي السبب والأولى المُسبب.

مثال: تهاون الطالب في مذاكرته؛ لذلك لم يحصل على درجته الكاملة.

فالجملة الأولى -تهاون الطالب- كانت سببًا، والجملة الثانية -عدم حصوله على الدرجة الكاملة- كانت مسببًا لها.

-نجح الطالب؛ لأنه ذاكر.

فالجملة الأول -نجاح الطالب- مسببًا للجملة الثانية –مذاكرته، أي: نتيجة لها.

3- علامة التعجب، أو علامة الانفعال والتأثر: تُرسم هكذا (!).

- مكانها واستعمالها:

توضع في نهاية الجُملة التي تعبر عن الإنفعالات النفسية، كالتعجب، والفرحة، والحزن، والدعاء، والدهشة، والاستغاثة ، والترجي، ونحو ذلك.

مثال:

- ما أعظم أن تصبح شخصًا لطيفًا!

-أنا حزين للغاية!

- اللهم وفقني!

- النجدة!

4- علامة الاستفهام: تُرسم هكذا (؟).

- مكانها واستعمالها:

تلك العلامة توضع في نهاية الجُملة الإستفهامية، أي: في نهاية السؤال، أو عند الشك في أمر ما، والمراد التأكد من صحته.

مثال:

-هل أنت بخير؟

-لا أعرف على وجه اليقين كم قرأت اليوم؟ أصفحة واحدة أم أكثر؟

5- علامة التنصيص: تُرسم هكذا (" ").

- مكانها واستعمالها:

تستخدم في النثر والشعر، بحيث يوضع بين القوسين كل ما ينقله الكاتب من كلام غيره، ملتزمًا نصه، وما فيه من علامات ترقيم، دون تصحيف أو تحريف.

6- النقطة: تُرسم هكذا (.).

- مكانها واستعمالها:

توضع النقطة في نهاية الجملة التامة، ونهاية الكلام وانقضائه، ولا كلام بعدها.

كما تستخدم بين الرموز للإختصار، كـ (ق.م)؛ اختصارًا لعبارة (قبل الميلاد).

مثال: نجح المجتهد في عمله.

7- النقطتنان الرأسيتان: تُرسم هكذا (:).

- مكانها واستعمالها:

أ- توضع بين الشيء وأقسامه: فصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء.

ب- بين القول ومقول القول: كـ (قال أو ما في معناها، كأخبر وروى وحكى وسأل وتكلم وأجاب...).

مثال:

قال أحد الحكماء: العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا من كل شيء أحسنه.

سألته: من أين لك هذا؟ فأجاب: من صديقي.

جـ ـ قبل الأمثلة التي توضح القاعدة: أي: بعد كلمتي نحو، ومثل.

8- علامة الحذف، أو الثلاث نقاط: تُرسم هكذا (...).

- مكانها واستعمالها:

تسمى أيضًا نقط الإختصار، توضع مكان الكلام المحذوف من كلام مقتبس، أو للدلالة على الإيجاز، والإختصار، وتستخدم ملاصقة للجملة التي تسبقها.

مثال لعلامة الحذف:

-"فكرة الإحسان في الإسلام فكرة واسعة الأفق، تشمل كل خير يقدم للناس: كإعانتهم في أمورهم، أو نهيهم عن ارتكاب المعاصي، أو هدايتهم للطريق الصحبح... كل هذا إحسان، بل إن معاملة الحيوان برفق؛ إحسان وصدقة كذلك".

- قرأت روايات نجيب محفوظ كلها: خان الخليلي، والسكرية، واللص والكلاب...

9- الشَّرطتان: تُرسمان هكذا ( - - ).

- مكانهما واستعمالهما:

توضعان بين الجُمل الاعتراضية التي يمكن حذفها، ولا يختل المعنى، وبين جُمل الدعاء، وعبارات الثناء، والترحم، والتفسير والتوضيح، والضبط.

مثال:

- قال -تعالى-: "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ".

- قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".

- عُمَان -بضم العين وفتح الميم المخففة- عاصمتها مسقط.

اجتهد -بارك الله في عمرِك- حتى تفوز.

10- القوسان الهلاليان: يُرسمان هكذا: ( ).

- مكانهما:

يوضعان في وسط الكلام، ويكتب بينهما الألفاظ التي ليست من الأركان الأساسية لهذا الكلام، مثل: الجمل الإعتراضية، والتفسيرية، والدعائية، والأرقام والتواريخ، وأحيانًا تكون الألفاظ من أركان الجملة، حيث لا يمكن الاستغناء عنها.

مثال:

- إن اللغة العربية (وهى من أوسع اللغات انتشارًا) قد اتسع صدرها لجميع العلوم، والمعارف في أيام العناية بها.

- الرقم (100) يكتب مئة، أو مائة.

- دخلت ثالث الحرمين (المسجد الأقصى)، وصليت فيه.


ملاحظات لطيفة

- ينبغي عدم الإكثار من علامات الترقيم، وألا يبالغ الكاتب في استعمالها، وأن يضعها في أماكنها بكل دقة.

- علامات الترقيم راجعة لذوق الكاتب ووجدانه الذي يريد أن يؤثر به على نفس القارئ؛ لكي يشاركه في شعوره وعواطفه.

- لا يجوز وضع علامة من علامات الترقيم في أول السطر، إلا علامة التنصيص والقوسين.


الخاتمة

بحمدِ الله والثناء عليه نختتم، راجين من الله أن يمنحنا الإتقان في كل شيء، ويجعل أمرنا كله إليه، ويرزقنا الإخلاص له، والحمد لله رب العالمين.


المراجع

1- فن التحرير العربي ضوابطه وأنماطه، للعلامة: محمد صالح الشنطي، دار الأندلس للنشر والتوزيع، السعودية.

2- القواعد الذهبية في الإملاء والترقيم، للعلامة: أحمد محمد أبو بكر، مطابع الجنوب.

3- الإملاء والترقيم في الكتابة العربية، للعلامة عبد العليم إبراهيم، مكتبة غريب.


الكاتبة: منة الله سامي العسَّالة

تصميم: محمد عبدالعزيز


لمعرفة المزيد عن أكاديمية التدريس شاهد هذا الفيديو ..